السيد محمد حسين فضل الله

41

من وحي القرآن

أحدهما - وهو البول - أسهل ، بينما الاجتناب عن العرق أصعب . وإذا كان القياس متعارفا عند الناس في بعض أمورهم ، فإن السبب في ذلك هو اكتشافهم العلة الكامنة وراء الحكم العرفي ، بلحاظ معرفتهم بالأسس العقلائية التي ارتكز عليها من خلال ما يعرفونه من مرتكزاتهم بشكل يقيني ، ولكنهم يتوقفون في الحالات التي لا يحيطون بخصوصياتها الذاتية ، وهذا ما قد نلاحظه في الأطباء الذين لا يبادرون إلى إعطاء دواء مريض لمريض آخر يشبهه في بعض المواصفات ، لإمكان أن يكون مختلفا عنه في صفات مرضية أخرى ، مما يجعل من الدواء عنصرا ضارا له بلحاظ تلك الخصوصية المنفردة . وربّما كان الأساس في ذهاب أبي حنيفة للقياس هو قلة الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - كما نقل عنه - مما يجعل من الواقع الفقهي واقعا يشبه ما ذكره الأصوليون من علماء الشيعة في موضوع انسداد باب العلم والحجج الخاصة ، الأمر الذي ذهب فيه بعضهم إلى حجّية الظنّ المطلق ، ولكنه أمر غير واقعي لورود الكثير من الأحاديث الواردة عن النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وأئمة أهل البيت الذين يتحدثون عن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في كل أحاديثهم ، بالإضافة إلى نصوص القرآن ، الأمر الذي لا يجعل هناك فراغا فقهيا أو حاجة استنباطية يفرض اللجوء إلى القياس أو إلى الظنون الأخرى ، في الوقت الذي يصعب فيه معرفة علل الأحكام الشرعية بشكل دقيق ، مما يجعل من القياس وسيلة من وسائل الابتعاد عن الحقيقة في الحكم الشرعي من خلال الظنون المتنوعة التي قد تختلف باختلاف الأشخاص . وتبقى هناك حالة واحدة ، وهي صورة « منصوص العلة » بأن يأتي ذكر العلة في الحديث نفسه الدالّ على الحكم الشرعي ، كما إذا قال : لا تشرب الخمر لأنه مسكر ، فإننا نستوحي من ظاهر الكلام علية الإسكار للحرمة ، مما